يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

422

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

وذكر سيبويه قولهم : أمّا أن جزاك اللّه خيرا ومعناه : حقا أنه جزاك اللّه خيرا ، كما تقول : " أما أنك رجل " بمعنى : حقا أنك رجل ، وحذف اسم أن وخففت ووليها الفعل وجاز ذلك لأن هذا الكلام دعاء . والأشياء التي تكون عوضا من التخفيف وحذف الاسم ، لا يصح وقوعها فيه ، لأن " قد " لا تقع في الدعاء ، وكذلك " السين " و " سوف " ، لأنهما يصيران الكلام يقينا واجبا ، والدعاء ليس بواجب . ولا يجوز دخول " لا " لأنها تقلب معنى الدعاء له إلى الدعاء عليه ، فاحتمل لذلك ترك العوض ، وأجازوا كسر " إن " في هذا الموضع فقالوا : " أما إن جزاك اللّه خيرا " ، على تخفيف " إن " ولإضمار اسمها ، ومعنى " أما " إذا كسرت " إن " ، معنى " ألا " التي يستفتح بها الكلام . وأجاز سيبويه : " ما علمت إلا أن تقوم " وإنما جاز ذلك لأن العلم استعمل فيه على معنى المشورة والرأي ، فصار بمنزلة الظن ، ولو أراد العلم الحقيقي لقال : " ما علمت إلا أن ستقوم " وباقي الباب مفهوم إن شاء اللّه . باب أم وأو هذا الباب ترجمة لما يأتي بعده مفصلا إن شاء اللّه هذا باب " أم " إذا كان الكلام بها بمنزلة أيهم وأيهما اعلم أنّ " أم " فيها معنى حرف الاستفهام ، وحرف العطف وهي تشبه - من حروف العطف - " أو " فأما موقعها في الاستفهام فعلى وجهين : أحدهما : أنها تعادل ثانيه ألف الاستفهام أولا وتكون بمعنى " أيهما " وإنما تكون كذلك إذا كان المستفهم قد عرف وقوع شيء من شيئين أو من أشياء ولا يعرفه بعينه ، فيسأل من يقدر أن عنده علم ذلك ليخبره به معينا معروفا . ويعبر عن هذا السؤال بأن فيه تسوية ومعادلة ، فأما التسوية : فهي أن الاسمين المسؤول عن تعيين أحدهما مستويان في علم السائل ، فما عنده في أحدهما مثل ما عنده في الآخر . وأما المعادلة : فهي بين الاسمين ، جعلت الاسم الآخر عديلا للأول بوقوع " الألف " على الأول و " أم " على الثاني . وقد اتسعت العرب في هذا واستعملوه في غير الاستفهام ، من ذلك قول القائل : " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو " ، وهذا ليس باستفهام والمتكلم فيه بمنزلة المسؤول ، والمخاطب يصير فيه بمنزلة السائل ، لأن القائل قد علمت أزيد في الدار أم عمرو ، يعتقد من قول المتكلم له أن في الدار أحدهما ، ولا يعرفه بعينه ، فهو بمنزلة السائل في الأول ، وإنما جاز الاستفهام " بأم " في هذا وما أشبهه - وإن لم يكن استفهاما - لما فيها من معنى التسوية والمعادلة ، فشبهت بالاستفهام لاجتماعهما في التسوية لا في الاستفهام .